ابن رشد
48
تهافت التهافت
التي ترى بالبرهان أنها ضرورية ، هي في بادئ الرأي ممكنة . والجواب عند الفلاسفة أنهم يزعمون أن البرهان قام عندهم على أن العالم مؤلف من خمسة أجسام : جسم لا ثقيل ولا خفيف ، وهو الجسم السماوي الكري المتحرك دورا . وأربعة أجسام : اثنان منها : أحدهما : ثقيل بإطلاق وهي الأرض التي هي في مركز كرة الجسم المستدير ، والآخر : خفيف بإطلاق ، وهي النار التي هي في مقعر الفلك المستدير . وأن الذي يلي الأرض هو الماء ، وهو ثقيل بالإضافة إلى الهواء ، خفيف بالإضافة إلى الأرض . ثم يلي الماء الهواء ، وهو خفيف بالإضافة إلى الماء ، وثقيل بالإضافة إلى النار . وأن سبب استيجاب الأرض للثقيل المطلق هو كونها في غاية البعد عن الحركة الدائرة . ولذلك كانت هي المركز الثابت . وأن السبب في الخفة للنار بإطلاق هو أنها في غاية القرب من الحركة المستديرة . وأن الذي بينهما من الأجسام إنما يوجد فيه الأمران جميعا : أعني الثقل والخفة ، لكونهما في الوسط بين الطرفين . أعني الموضع الأبعد والأقرب . وأنه لولا الجسم المستدير ، لم يكن هنالك لا ثقيل ولا خفيف بالطبع ، ولا فوق ولا أسفل بالطبع لا بإطلاق ولا بإضافة . ولا كانت مختلفة بالطبع ، حتى تكون الأرض مثلا من شأنها أن تتحرك إلى موضع مخصوص . والنار من شأنها أيضا أن تتحرك إلى موضع آخر . وكذلك ما بينهما ( الأرض والنار ) من الأجسام ، وأن العالم إنما يتناهى من جهة الجسم الكري . وذلك أن الجسم الكري متناه بذاته وطبعه . إذ يحيط به سطح واحد مستدير . وأما الأجسام المستقيمة فليست متناهية بذاتها ، إذ كان يمكن فيها الزيادة والنقصان . وإنما هي متناهية لأنها في وسط الجسم الذي لا يمكن فيه زيادة ولا نقصان . ولذلك كان متناهيا بذاته وأنه لما كان هذا ، لم يصح أن يكون الجرم المحيط بالعالم إلا كريا . وإلا فكانت الأجسام يجب أن تتناهى : أما إلى أجسام أخر ويمر ذلك إلى غير نهاية . وأما أن تنتهي إلى الخلاء ، وقد تبين امتناع الأمرين . فمن تصوّر هذا علم أن كل عالم يفرض ، لا يمكن أن يكون إلا من هذه